الاحد في ١٧ كانون الاول ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 01:45 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
خطة للاستيلاء على السلطة
 
 
٢٩ كانون الثاني ٢٠١١
 
بقلم : عبدو شامي
 
خطة للاستيلاء على السلطة

قصد وصولي أحد الشياطين وسأله: هل لديك خطة تمكّنني من الاستيلاء على السلطة في بلادي، وفرض إرادتي على جميع الأحزاب المعارضة؟
الشيطان: ما هو نظام الحكم عندكم؟
الوصولي : ديموقراطي برلماني، وهذا ما يحول دون تمكني من الوصول الى السلطة والإمساك بها بشكل كامل، ذلك أنني لم أنجح في أي دورة انتخابية في إيصال غالبية نيابية الى البرلمان لكي تحقق لي مشروعي.
الشيطان بعد تفكير دقيق وصمت عميق: لا تقلق ما من مشكلة إلا ولها حل. أخبرني، هل لديك داعم يعينك على تنفيذ مشروعك؟
الوصولي: نعم، ثمة دولة اقليمية بعيدة نوعاً ما، أمثّل امتدادا لمشروعها التوسعي والعقائدي والشمولي، يمكن أن تمدني بما يمكن أن أحتاج إليه من سلاح ومال، فهي دولة تملك مخزونا من النفط والغاز، وتعمل على امتلاك السلاح النووي، فضلا عن كونها من أوائل الدول العاملة في تجارة وانتاج وتصدير المخدرات في العالم، ولدينا صفقات مشتركة، وقد دخلنا السوق الأوربية، كما ننشط في دول أميركا اللاتينية. وقد تحالفت هذه الدولة مع دولة عظمى تصفها الأولى بـ"الشيطان الأكبر"، من أجل إسقاط نظامي الحكم في دولتين مجاورتين لها، وبالتالي مدت نفوذها إليهما. وبدورها، تستخدم تلك الدولة العظمى الدولة الاقليمية كفزاعة للدول النفطية المجاورة لها، من أجل عقد الاتفاقيات العسكرية وصفقات الأسلحة مع تلك الدول الغنية ونهب أموالها.
وثمة دولة أخرى مجاورة لبلدي، تدعمني وأفضل نعتها بالشقيقة رغم مطامعها في حكم بلادي، وهي حليفة لتلك الدولة الإقليمية، وعلى تماس مع أحد البلدين اللذين مدت نفوذها إليهما بمساعدة من "الشيطان الأكبر"؛ وأظن أن الشقيقة ربما أقامت صفقة مع عدو احتل جزءا من أرضها، تقضي بإقفال الجبهة مقابل بقاء نظامها في الحكم.
الشيطان: عظيم جداً، تأمّن الداعم الإقليمي، وخط الإمداد، والمال الطاهر، والسلاح المعد للاستعمال الداخلي.
الوصولي: عذراً، لم أفهم مرادك.
الشيطان: لا تستبق الأمور، سوف تفهم، لكن بعد أن أحيط بكافة المعطيات المتعلقة بوضعك الجيو-سياسي. هل لبلدك حدود مع دولة أخرى محتلة أو عدوّة؟
الوصولي متعجباً من هذا السؤال: نعم، على حدود دولتي كيان غاصب هو نفسه الذي يحتل جزءا من الدولة الشقيقة، وهو لا يزال يحتل جزءا من بلدي، فضلا عن دولة أخرى يحتلها بكاملها!
الشيطان: ممتاز، لقد نطقت بنصف الوصفة التي سألتني عنها! فلو لم يكن فعلا وضع بلادك كما وصفت، لكنت طلبت منك أن تخترع وتوجد ذلك العدو بنفسك.
الوصولي وقد انتابه الذهول: لا أفهم عليك، ماذا تقصد!
الشيطان: ما طبيعة ذلك العدو وهل لديه مشروع خاص؟
الوصولي: عدو متغطرس، احتل بلدا مجاورأ وأنشأ فيه كياناً عنصرياً وطائفياً بامتياز، وهو يسعى الى تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية وعنصرية على شاكلة كيانه، لكي يصبح وجوده الشاذ مقبولا ومبررا في محيطه؛ مع العلم أن وطني يمثّل النموذج النقيض لكيان العدو، نظرأ للتعددية والتنوع في النسيج الطائفي والاجتماعي الذي يتشكل منه.
الشيطان: ممتاز، لقد وجدنا الأرضية المشتركة وتقاطع المصالح.
الوصولي مذهولا وقد تملكته الدهشة: بصراحة، ما زلت لا أفقه شيئاً مما تقول!
الشيطان: ببساطة، عليك أن تحمل لواء مقاومة هذا العدو وتعمل على احتكار تلك المقاومة وحصرها بحزبك وطائفتك دون غيرهما.
الوصولي مقاطعا: وبعد ان تصبح عندي ترسانة عسكرية وصاروخية فتاكة، أنقضُّ على العدو وأزيله من الخارطة.
الشيطان وقد انتابه الغضب: أمجنون أنت أم غبي؟! أتريد أن تموت وتميت معك مشروعك العقائدي التوسعي وهو لا يزال في مهده؟! هذا العدو يمثل رأسمالك في خطة الاستيلاء على السلطة، وبإعدامك اياه على فرض تمكينه إياك من ذلك، تكون قد جرّدت نفسك من سلاحين استراتيجيَين في معركتك على السلطة، سلاح التخوين وسلاح المقاومة. على العكس تماما، عليك ان تحافظ على هذا العدو وتعمل على استثمار تقاطع المصالح القائم بينكما، وبذلك تكون قد قطعت شوطاً طويلا في رحلة الوصول الى السلطة. أرجوك، لا تقاطعني ودعني أكمل لك بنود الوصفة.
الوصولي: اعذرني على لجاجتي، واكمل سرد الخطة من فضلك.
الشيطان: كنت اقول لك قبل ان تقاطني، ان عليك حمل لواء مقاومة هذا العدو والعمل على احتكارها وحصرها بحزبك وطائفتك، ثم توجِّه الى كل معارضيك في السياسة تهم التخوين والعمالة، وتجعل هذا العدو جزءا لا يتجزّأ من خطابك اليومي، فلا تدلي بتصريح ولا تتخذ موقفا ولا تنظم احتفالا، الا ويكون ذلك العدو محور خطابك، وبذلك تكتسب الشعبية من الداخل والخارج الذي يتطلّع الى يوم القضاء على ذلك العدو.
الوصولي مقاطعا للمرة الثانية: بدأت أفهم عليك، لكنني أعرف طبيعة بلادي حيث التعددية الطائفية، فضلا عن أن شعبها ذو ذكاء فطري وسياسي مميّز، فلن تنطلي عليه لعبة التخوين والعمالة، بل حتى لو وجدت حليفا من طائفة مختلفة وسخرته لاختراق صفوفها والتغطية عليّ والدعاية لمشروعي، لن يطول الزمن حتى يفتضح أمره، وبالتالي سيبقى تمثيلي في البرلمان ضئيلا ومقتصرا على حزبي وملحقاته المتواضعة شعبيا والتي أخترق بها الطوائف.
الشيطان متبسِّما: ربما لو لم تعجل في مقاطعتي لكان وصلك الجواب. توازياً مع خطابك الدعائي الذي ستستثمر فيه العدو وخطره الداهم الى أبعد الحدود، عليك أن تعمل على تكديس السلاح بذريعة المقاومة، وتنشره في جيع أنحاء البلاد بطولها وعرضها حيث يتواجد مؤيدوك طبعاً وحلفاؤك، ثم تعمل على توظيف هذا السلاح المقاوم في تطويع أخصامك في السياسة وارغامهم على تقديم تنازلات تصب في مصلحة مشروعك، فكلما رفض لك فريق الغالبية طلبا هددت بهز السلم الاهلي وبالفتنة التي هي من مصلحة العدو، وربما قمت باغتيالات وألصقتها بالعدو نفسه الذي يعد بسبب صيته الإجرامي الشمّاعة المثلى لتعليق تلك التهم، وربما ايضا افتعلت حوادث امنية لتأكيد تحذيراتك، وانتزاع المكاسب السياسية التي تصبو إليها، وكل ذلك بذريعة "حماية المقاومة".
وحبذا لو منعت الأكثرية التي تنتخب الرؤساء الثلاثة من انتخاب رئيس للجمهورية من صفوفها، وفرضت عليها رئيساً لمجلس النواب من فريقك، متحججا بأن طائفته مجمعة عليه ولوّح بسلاحك لتقوية موقفك، ولا تنسى أن تغلّف ذلك كله بشعار "الديموقراطية التوافقية" لا البرلمانية أوالعددية.
وخلال تلك المرحلة، لا بأس بالتوقيع على التزامات وقطع التعهدات تمريرياً للمرحلة وتقطيعاً للوقت، فكل ذلك بإمكانك أن تنقلب عليه في اللحظة المناسبة.
الوصولي: هذا جيد، لكنه غير كاف لكي أضع يدي على السلطة بشكل كامل، لأن الغالبية النيابية ستبقى في يد خصومي، وبالتالي رئيس الحكومة المنتخب من قبل تلك الغالبية سيبقى منها ومعها، ومن الصعب عليّ فرض رئيس عليها نظرا لكونه من طائفة مختلفة عن طائفتي ولدية الأكثرية النيابية والشعبية، وذلك على الرغم من انتزاعي كما نصحتني بعض مطالبي السياسية بقوة السلاح المقاوم الموجه الى الداخل، كالثلث المعطل مثلا.
الشيطان متعجباً: ماذا تعني بالثلث المعطل؟!
الوصولي: في دستور بلادي ثمة مواضيع كبرى لا يمكن ان تتخذ الحكومة قراراً فيها إلا اذا حظي بتأييد ثلثي وزرائها، وبالتالي بإمكان الطرف المالك للثلث زائدا واحدا أن يعطل هذه القرارات، فضلا عن أن الحكومة تعتبر في حكم المستقيلة اذا فقدت نصابها الدستوري باستقالة ثلث وزرائها زائدا واحدا، مع العلم أن مطالبة الاقلية بالحصول على الثلث المعطل في الحكومة يتناقض مع الدستور.
الشيطان وقد زال تعجبه: باتت لدينا الوصفة كاملة! إنه الثلث القاتل وليس المعطل فحسب. عليك أن تحرص دائما على تملّك هذا الثلث وإن بشكل مموّه في كل حكومة تشكَّل، ومهما كلّفك الحصول عليه من خسائر قد تقلّص شعبيتك وتشوّه سمعتك في الداخل والخارج، أي حتى لو تتطلّب انتزاعك إياه حربا أهلية مصغّرة. لكن مع ذلك، أنصحك باتباع خطة قلب المفاهيم وتزوير الحقائق، فاعمد الى تسميته بالثلث "الضامن" بدل "المعطل"، وطالب به ملوّحا بسلاحك ورافعاً شعار "المشاركة" و"الشراكة الحقيقية".
الوصولي: وماذا أفعل بعد ذلك؟
الشيطان: بعد حصولك على الثلث القاتل، تبدأ محاولة تطويع واستمالة أحد اقطاب الغالبية ممن يملكون كتلة نيابية كفيلة اذا انضمّت الى كتلتك أن تقلب الموازين محوّلة الأكثرية الى اقلية والأقلية الى أكثرية. أما اختيار هذا القطب فمتروك إليك، فأنت أدرى بتركيبة بلادك وخصوصيات طوائفها وطبائع قياداتها، وأدوات التغيير كلها بحزوتك، السلاح المقاوم والمال الطاهر، وتهم العمالة والخيانة، وشمّاعة تعليق الجرائم اذا اقتضت الضرورة.
الوصولي وقد انفرجت أساريره: وبعد أن تتم عملية التطويع بنجاح، أستخدم الثلث القاتل فأستقيل وأسقط الحكومة، وأفرض بواسطة الغالبية الجديدة رئيس حكومة موال لي وإن لم يكن ذا شعبية في طائفته، فيشكِّل حكومتي الخاصة التي ليس من الضروري توزير محازبي فيها لكون قرارها في يدي بل أوزّع الحقائب الوزارية كهدايا على حلفائي، وبذلك أستولي على السلطة بشكل كامل متحصنا بالدستور ومحتكماً الى العملية الديموقراطية.
الشيطان: أحسنت، لكن دعني أسألك أنا الآن: ماذا لو طالبوك برئيس حكومة من صفوف الأقلية بذريعة أن طائفته مجمعة عليه، أو طالبوك بالثلث المعطل؟
الوصولي: سأنهرهم قائلاً: بدأتم تناقضون أنفسكم فما تطالبون به في شقه الأول لم ينص عليه الدستور، وفي شقه الثاني مخالف للدستور، وكما تعلمون الدستور مرجعنا وإليه نحتكم في تسيير أمورنا، ولنترك اللعبة الديموقراطية تأخذ مجراها بهدوء وحرية. لكن مع ذلك بإمكاني أن أجاريهم و أعطيهم الثلث المعطل وبذلك يصبح عرفا متفقا عليه وبمثابة تعديل للدستور؛ ولا بأس لو حاولوا استخدامه في عرقلة مشاريعي، فما علي حينئذ إلا أن أستقيل من الحكومة فأسقطها إن لم يستعملوا هم الثلث في إسقاطها، ثم أشكّل حكومة جديدة خالية من ذلك الثلث، فالأكثرية النيابية لا تزال معي. وهكذا أكون مع الديموقراطية العددية إذا كنت أكثرية، ومع التوافقية إذا كنت أقلية، فأختار لكل مرحلة النظام الذي يلائمها ويلائمني معها وأفرضه مستقويا بسلاحي.
الشيطان: أحسنت وفهمت الوصفة بشكل كامل.
الوصولي: لست أدري كيف أشكرك وأكافئك على هذه الخطة للاستيلاء على السلطة.
الشيطان: الأمر في غاية البساطة، ما عليك إلا تنفيذ بنود تلك الوصفة، فاذا ما نجحت في تطبيقها تكون قد قدّمت إلي أعظم هدية وصرت عضوا مميّزا في حزبي، لأنني أخذت عهدا على نفسي أن أفسد في الأرض ما استطعت. لكن للأمانة، يبقى أن تتذكر بعد ذلك كله، أن دولة الظلم والظلام ساعة، ودولة الحق والنور الى قيام الساعة!
عبدو شامي
29/1/2011
 
ادارة موقع 14 آذار لا تتحمل مسؤولية الأخبار او المعلومات الواردة من الأعضاء