السبت في ١٨ تشرين الثاني ٢٠١٧ ، آخر تحديث : 09:11 م
YouTube Twitter Facebook RSS English French Portuguese
نظرية الـ"أوف سايد" و"صراع" "المستقبل" والأسير
 
 
 
 
 
 
١ تموز ٢٠١٢
 
:: فارس خشّان ::

تأثرا بتجارب الحروب اللبنانية، إنطبعت في شخصيتي ملامح رفض لكل أنواع "حروب الإلغاء"، لأنها كشفت لي ما توفّره من إفادة ماحقة للعدو أوالخصم أو المنافس.

وبفعل الخلاصات التي انتهيتُ إليها، فكرتُ بالطريقة الأفضل التي يمكنني فيها أن أتجنّب هذا النوع من الحروب، سواء في العمل أم في الحياة الشخصية.

ولأنني من الفئة التي لا تحب مشاهدة الرياضة على التلفزيون، لاعتقادي بأن الرياضة ممارسة وليست مشاهدة، كنتُ كلّما اضطررت لمشاهدة مباراة في كرة القدم، أحاول استخلاص عبر مفيدة في الحياة.

وفي إحدى المرّات "نقشت" معي: أعجبني كثيرا "تكتيك" الـ"أوف سايد".

إكتشفت أنك عندما لا تقوى على صدّ هجوم محكم، أو على عرقلة منافس سريع، يمكنك أن تتركه يجهد نفسه، من أجل لا شيء. فليس كل كرة تهزّ الشبكة هي ...هدف!

وبعد دراسة معمّقة لتكتيك الـ"أوف سايد"، كسلوكية مانعة لمواجهات غير مضمونة، تطوّر مفهوم "المقاومة السلبية"، حتى تمكّنت منّي نظرية "الإستفادة من الخصم"، ورحتُ أحاول تطبيقها في كل أوجه حياتي، عندما أثق بمؤهلاتي.

ومن كل لقاءاتي مع السياسيين، لم أحفظ سوى نظرية قالها لي وزير، في وقت سابق: "في الجودو، لتكسب، عليك أن تستفيد من قوة خصمك. هو يبذل جهدا ليسقطك، وأنت عليك في اللحظة المناسبة أن تضيف على جهده دفعة بسيطة، ليسقط هو!"

سأقدّم مثلا واحدا من أوجه حياتي، وأغفل الأوجه الأخرى، حتى لو كانت أكثر تعبيرا وتجسيدا للنظرية:

في العمل، عندما كنتُ أتعرّض لهجمة شرسة من منافس، ألجأ فورا الى دراسة الإنتاجية التي يوفرها جهدي، لأكتشف أن منافسي، لا يهاجمني بسبب القصور، إنما بسبب قصوره عن اللحاق بكمية الإنتاج التي أحققها!

وبالتالي، فإن راحته الى تقييم الرؤساء للعمل، تعطيه وقتا لمحاربتي، وتاليا تكون إنتاجيتي هي السلاح الذي يوفّر له إمكان تصفيتي. لهذا السبب، أسارع، فورا، الى إفهام هؤلاء الرؤساء بما يحصل، فإن أزاحوه "سلميا" من الطريق كان به، وإن لم يفعلوا، أتنازل له عن كل الصلاحيات، وأبدأ بتعبئة الفراغ الناجم عن ذلك، بسد فراغات في علاقاتي العامة وفي ثقافتي.

وبعد أشهر قليلة، وفي ظل انتهاء المنافسة، تبدأ النتائج بالظهور. تراجع كبير في الإنتاجية، تباطؤ مذهل في الأرباح، تقهقر مخيف في التأثير.

وفجأة ، يدخل المنافس المنتصر في مأزق المساءلة التي كان معفيا منها سابقا، بفعل جهدي الكبير، ويتذكر الرؤساء ملاحظاتي.

كبرياء الرؤساء يمنع التغيير الفوري، ولكن عجز المنافس الموهوم بالإنتصار عن سداد الفراغ، يدفع بهم لاحقا، وتحقيقا لمصلحتهم، الى إيجاد الوسيلة الفضلى للتخلص منه، وللعودة الى الإفادة مني!

أتذكر تكتيك الـ"أوف سايد" حاليا وأنا أتابع ما يحصل في لبنان، حيث حروب الإلغاء على أشدّها!

وبعيدا عن نظريات المؤامرة واتهامات التخوين، وإعمالا لنظريتي، أرى الآتي:

أوّلا، إن الشيخ أحمد الأسير، بنزوله الى الشارع في هذا التوقيت بالذات، خدم "حزب الله"، لأنه أشاح الإهتمام العام عن سلوكيات هذا الحزب في بيروت، كحارق للقنوات التلفزيونية وكمقفل للطرق، وكموزّع للفوضى، وكقاصر عن الإستجابة للنداءات المتطرفة عند جمهوره المحبط.

لقد حقق الشيخ الأسير نتيجة مذهلة، في صراعه ضد "حزب الله"، عندما جذب الإعلام إليه بعد تصعيده المباشر على كل من الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله، فأجبر "حزب الله" على الوقوع في فخّ إفساح المجال أمام بعض من جمهوره، مما ساهم في التذكير بوجهه بعيدا من الأقنعة، ولكنه عاد وخدمه، بمجرد أن توسّل الأسلوب نفسه في قطع الطرق.

وبفعل دخول الأسير في المنافسة، سارع "حزب الله" الى سحب ناسه من الشوارع، وراح يعيد سيطرته على من تفلّت منه، على قاعدة "يا غيرة الدين"!

لو لعبها الشيخ أحمد الأسير، وفق تطبيقات نظرية الـ"أوف سايد" أو الـ"جودو"، لكانت عيون البلاد شاخصة، حصرا، على "حزب الله" الذي كان قد خسر الكثير – الكثير، محققا للأسير بعض مرتجاه!

ولكن الأسير، قلب مجريات الأمور، وسمح لـ"حزب الله" أن يطبق نظرية الـ"أوف سايد". أنسانا "حزب الله" ممارساته وسلط الضوء على الأسير الذي تتعاطى معه دوائر "حزب الله" بسخرية، على اعتبار أن مطلبه الخاص بسلاح "حزب الله" هو باعتقادهم أشبه بحلم إبليس بالجنة، لأن السلاح هو في خدمة ... السلاح!

ثانيا، إن "تيار المستقبل" يتصرف مع نفسه بشيء من الهوس. يشبه في سلوكياته ذاك الذي كلّما صافح أحدا ذهب وغسل يديه، ولذلك أصبح "تيّار ردة الفعل". مهووس هو بصورته كتيار معتدل يحارب التطرف، وكتيار يؤمن بالدولة ويحارب الحالات الفوضوية، وكتيار يؤمن بالتغيير الديموقراطي ويناوئ اللجوء الى كل أنواع الأسلحة بما فيها السلاح المذهبي، وكتيار يحمي الإستقرار ويجابه كل من يتعرض له، وكتيار مؤتمن على رفاهية مصرفية واقتصادية واجتماعية ويتصدى لكل من يخاطر بها!

في المبدأ، لا نقاش في صحة هذه المبادئ، ولكن بالمبدأ أيضا، الهوس هو مرض. والأمراض البيولوجية هي في كثير من الأحيان أمراض ..سياسية!

والهوس هو مانع لتطبيق نظرية الـ"أوف سايد" وجاذب للتنافس الإلغائي المضر!

في الواقع والوقائع، لا علاقة لـ"تيار المستقبل" بنمو حالة الشيخ أحمد الأسير، إلّا إذا غالينا في التحليل ووافقنا القائلين بأن عجزه عن تحقيق أهدافه سمح بنشوء هذه الحالة.

الأسير هو إمام مسجد في صيدا. جذب إليه المئات صيداويا، في خطب الجمعة، ولمع نجمه عندما بدأ يتصدى لـ"حزب الله" دينيا، وتألق عندما دخل على خط دعم الثورة السورية، ومنها دخل على خط نزع سلاح "حزب الله".

تقصد "حزب الله" وحلفاؤه تسليط الأضواء على الشيخ الأسير. هو بالنسبة إليهم صيد ثمين. يقدمونه لأبناء الطائفة الشيعية كمثال على وجوب المحافظة على عسكرة طائفتهم للدفاع عنها عقائديا. يقدمونه للمجتمع الدولي كمثال على "التطرف الديني" في الثورة السورية. ويقدمونه للمسيحيين على أن من سيلبسهم الـ"شادور" ليس "حزب الله" إنما سنّة لبنان!

ولكن الأسير، في لحظة تجلّ، نجح في قلب الطاولة على فريق 8 آذار، عندما ذهب الى مستوى المس بشخص الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. وهذا في عرف "حزب الله" خط أحمر.

واندفع في سياق حماية نفسه وحركته من المس بالخط الأحمر الى توسل الشارع، تحت شعار عزيز على قلب جمهور 14 آذار عموما وجمهور "المستقبل" خصوصا: نزع سلاح "حزب الله" الذي يستقوي به على الداخل اللبناني!

في كل هذا العرض، يبدو أن ثمة تقاطعا في الأهداف بين "تيار المستقبل" وبين حالة الشيخ أحمد الأسير، في ظل "براءة" تامة لهذا التيار من حالة هذا الشيخ!

وكان يفترض بـ" تيار المستقبل"، والحالة هذه، أن يستفيد من حالة الأسير، للدفع بأهدافه نقطة الى الأمام.

لو عرف " تيار المستقبل" ان يُشفي نفسه من "مرض" الهوس، ويبتعد عن ردة الفعل من خلال التعليق بداية، والفعل لاحقا، لكان حقق الكثير لنفسه ولجمهوره وللبلاد.

حالة الأسير ليست حالة خاطئة، بل هي حالة من البديهي أن تنشأ، عندما تسيطر حالة مماثلة لـ"حزب الله" على البلاد.

وحالة الأسير ليست حالة شاذة بذاتها، بل هي القاعدة طالما أن نموذج "حزب الله" قائم في البلاد، فالشواذ، إن وجد، فأصله لدى "حزب الله".

وحالة الأسير لا تضرب الإستقرار، إلا إذا كان شرط الإستقرار الإستسلام، لأنها تعطي شرعية كاملة للفرقاء السياسيين أن يطالبوا بضبط "حزب الله" لينضبط معه كل لبنان.

إن الإعتدال، لا يقوى، إذا قبل بحالة يعتبرها متطرفة هنا، ورفض حالة يعتبرها متطرفة هناك.

مشكلة "تيار المستقبل" أنه بهوسه، صوّر نفسه منافسا للأسير إنتخابيا، وهذا غير صحيح على الإطلاق، نظرا لتفاوت الأحجام هنا ولطبيعة اللبنانيين هناك.

لو سمح "تيار المستقبل" لحالة الأسير أن تتفاعل، بعيدا من تدخله، لتجنّب عوارض "حرب الإلغاء" ولسمح للبنانيين عموما وللمجموعات المتأثرة بالأسير أن تكتشف كل أدوات "حزب الله" داخل الطائفة السنية، ولكنه بدخول الرئيس فؤاد السنيورة على الخط، قدّم غطاء غير مسموح لحالات يستعملها "حزب الله" كديكور للإيحاء بأنه "وطني" وليس مذهبيا بامتياز!

وبذلك، قدّم "تيار المستقبل" هدية ثمينة لمناوئيه، للتستر بالحالات المذهبية السنية، من أجل الهجوم عليه. هؤلاء، يدركون أن الأسير، أقله في المدى الزمني الفاصل عن الإنتخابات النيابية، لن يشكل حالة شعبية في الصناديق، لذلك، فهم يتعمّدون تعظيمه ليهجموا على خصمهم الإنتخابي القوي، متأكدين من أن إقحام نفسه في "حرب إلغاء" سيضعفه ويعطيهم فرصة في الفوز، إن لم يكن بأخذ أصواته، فبتيئيس جمهوره وتبريد همته، تماما كما كان قد حصل في العام 2004 في صيدا، عندما أخسر فريق التمديد الرئيس الشهيد رفيق الحريري إنتخابات صيدا البلدية!

ثمة شق في "تيار المستقبل" بدأ ينظّف نفسه من مرض الهوس. دليلي إلى ذلك، أن الرئيس سعد الحريري المدرك لخطة تصفيته، تجاوز كل محاولات استدعائه الى لبنان، سواء بالترغيب أم بالترهيب، وبقي في الخارج، متحمّلا كل صنوف التجريح، من الأقربين والأبعدين.

ثمة شق آخر في "تيار المستقبل" ( هذا لا يعني أبدا أنه تياران بل بيت في منازل كثيرة) عليه أن يطبّب نفسه من الهوس، من خلال إدراكه بأن لقب رجل الدولة لا يعطى لمن يتكلّم إنما لمن ينتج. رفيق الحريري، في بداية العام 2000 لم يقدّم غطاء لحملة الضنية، إلّا لأنها أصبحت مواجهة واقعة بين الدولة واللا دولة. وفي العام 2007، لم يقدم سعد الحريري غطاء لحرب نهر البارد، إلا لاقتناعه بأنها حرب بين تعميم الدويلة وبين حماية الدولة.

وعلى هذا الأساس، في كل منّا "أسيري" فتوقفوا عن قمعه علّكم تحصدون نتيجة، وفي كل منّا "مستقبلي" فكفوا عن إضعافه لئلا يسحقكم خصمكم!

 
لإضافة أي تعليق عليك أن تكون مسجلاً أو إضغط هنا للتسجيل
 
تعليقات سابقة
 
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر